محمد أبو زهرة
222
المعجزة الكبرى القرآن
الجمل القصار ، ولا يكون إلا بحرف قوى يستتبع القلقلة أو الصفير أو نحوهما مما هو صروف أخرى من النظم الموسيقى . وهذه هي طريقة الاستهواء الصوتي في اللغة ، وأثرها طبيعي في كل نفس تفهمه ، وكل نفس لا تفهمه ، ثم لا يجد من النصوص على أي حال إلا الإقرار والاستجابة ، ولو نزل القرآن بغيرها لكان ضربا من الكلام البليغ الذي يطمع فيه أو في أكثره ، ولما وجد أثر يتعدى أهل هذه اللغة العربية إلى أهل اللغات الأخرى ، ولكنه انفرد بهذا الوجه المعجز ، فتألفت كلماته من حروف لو سقط واحد منها أو أبدل بغيره ، أو أقحم معه حرف آخر ، لكان ذلك خللا بينا ، أو ضعفا ظاهرا في نسق الوزن ، وجرس النغمة ، وفي حس السمع وذوق اللسان ، وفي انسجام العبارة ، وبراعة المخرج ، وتساند الحروف ، وإفضاء بعضها إلى بعض ، ولرأيت لذلك هجنة في السمع كالذي تنكره من كل مرئى لم تقع أجزاؤه على ترتيبها ، ولم تتفق على طبقاتها ، وخرج بعضها طولا وبعضها عرضا ، وذهب ما بقي منها إلى جهات متناكرة » . وإن هذا الكلام يفيد فائدتين : إحداهما : أن موسيقى القرآن الكريم ونغماته هي التي استرعت أسماع العرب ، واستهوت نفوسهم ، ورأوا لها حلاوة ، وعليها طلاوة ليست من الشعر ، وإن علت على أعلى ما فيه ، وليست من نوع كلامهم البليغ وإن كانت من جنس كلامهم ، وإن ذلك التأليف في النغم والجرس مع علو المغزى ، والمعنى ، وإحكام التعبير ، ودقة الإحكام ، لا يمكن أن يصل إليه أحد . وقد يقول قائل : هل هذه الأنغام المؤتلفة مقصودة في ذاتها ، وهي الإعجاز ؟ فنقول : إننا مهما نحاول في رد الإعجاز إلى أسباب لا نجد سببا واحدا بذاته هو الذي اختص بالإعجاز ، بل تضافرت في ذلك الأسباب ، وكل واحد منها يصلح سببا قائما بذاته ، ولكن نؤكد أن جرس المقاطع والحروف والكلمات والجمل ، والفواصل ، وأبعادها ، كل هذا فيه إعجاز للعرب عن أن يأتوا بمثلها . وإن الدليل على أن جرس الآيات القرآنية بما حوت من حروف وكلمات هو من الإعجاز أن اللّه تعالى أمر بترتيل القرآن لا بمجرد القراءة ، فقد قال تعالى : وَرَتِّلِ الْقُرْآنَ تَرْتِيلًا ، وبين سبحانه أن ترتيل القرآن بتعليم من اللّه تعالى ، فقد قال تعالت كلماته : وَقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ لا نُزِّلَ عَلَيْهِ الْقُرْآنُ جُمْلَةً واحِدَةً كَذلِكَ لِنُثَبِّتَ بِهِ فُؤادَكَ وَرَتَّلْناهُ تَرْتِيلًا ( 32 ) [ الفرقان : 32 ] .